السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

34

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

والكسبي أفضل من الوهبي ، لأنه يزداد تدريجا بسبب اتباع ما يستحسنه من أعمال الناس واجتناب ما يستقبحه من أفعالهم ، والوهبي هو هو ، إذ لا يستعمله صاحبه في الاتباع والاجتناب . قال سيدنا علي كرم اللّه وجهه : إن العقل عقلان * فمطبوع ومسموع ولا ينفع مطبوع * إذا لم يك مسموع كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى بالنار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى ، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ؟ ألم تكن تأمر الناس بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه . وروى البغوي بسنده عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء خطباء أمتك ، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون . وهذا مما يؤيد أن هذه الآية عامة في كل من هذه صفته ، وان خصوصها في علماء بني إسرائيل لا يمنع عمومها وشمولها لغيرهم ، وقيدها بهم لا يحول دون إطلاقها ، لأن العبرة دائما لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، فعلى العاقل إذا أراد أن يسمع قوله ويقتدى بفعله أن لا يخالفها ، إذ يصير محلا للانتقاد في الدنيا والعذاب بالآخرة ، ولا يعمل لأجل الناس أو لإرضائهم ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : من أرضى اللّه بسخط الناس كفاه اللّه شرهم ، ومن أحسن فيما بينه وبين اللّه أحسن اللّه فيما بينه وبين الناس ، ومن أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته ، ومن تحمل لآخرته كفاه اللّه أمر دنياه . وعلى الإنسان أن يحسّن ما يخرج من لسانه ويلين جانبه ، ويحلم عند الغضب ، ويجتنب الحدّة مهما استطاع ، فمن أكبر الشوائب وأفحش المصائب أن يكون المرء بذيء اللسان ، شرس الطباع ، خشن الجانب ، سيئ الآداب ، تأخذه ثورة الغضب لأقل إساءة ، والغضب يقبح صورة الغضبان ، ويثلم دينه ، ويعجل ندمه ، وتبدو منه بوادر الحدّة لأدنى إهالة ،